الفيض الكاشاني

55

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

منتزهات ، وربّما تلقّفوا ألفاظا مزخرفة من الطامّات فينظرون إلى أنفسهم ، وقد تشبّهوا بالقوم في خرقهم وفي سياحتهم ، وفي لفظهم وعبارتهم ، وفي آداب ظاهرة من سيرتهم ، فيظنّون بأنفسهم خيرا ، ويحسبون أنّ كلّ سواد تمرة ، ويتوهّمون أنّ المشاركة في الظواهر توجب المسامهة في الحقائق ، وهيهات فما أغزر حماقة من لا يميز بين الشحم والورم ، فهؤلاء بغضاء اللَّه فإنّ اللَّه يبغض الشابّ الفارغ ولم يحملهم على السياحة إلا الشباب والفراغ ، إلا من سافر لحجّ أو عمرة في غير رياء ولا سمعة ، أو سافر لمشاهدة شيخ يقتدي به في علمه وسيرته وقد خلت البلاد عنه الآن ، والأمور الدّينيّة كلَّها قد فسدت وضعفت إلا التصوّف فإنّه قد انمحق بالكليّة وبطل لأنّ العلوم لم تندرس بعد والعالم وإن كان عالم سوء فإنّما فساده في سيرته لا في علمه فيبقى عالما غير عامل بعلمه والعمل غير العلم ، وأمّا التصوّف فإنّه عبارة عن تجرّد القلب للَّه ، واستحقار ما سوى اللَّه وحاصله يرجع إلى عمل القلب والجوارح ، ومهما فسد العمل فات الأصل وفي أسفار هؤلاء نظر للفقهاء من حيث إنّه إتعاب نفس بلا فائدة ، وقد يقال : إنّ ذلك ممنوع ولكن الصواب عندنا أن نحكم بالإباحة ، فإنّ حظوظهم التفرّج عن كرب البطالة بمشاهدة البلاد المختلفة وهذه الحظوظ وإن كان خسيسة فنفوس المتحركين بهذه الحظوظ أيضا خسيسة ولا بأس بإتعاب حيوان خسيس لحظَّ خسيس يليق به ويعود إليه فهو المتأذّي وهو المتلذّذ والفتوى تقتضي تسييب العوام في المباحات الَّتي لا نفع فيها ولا ضرّ ، والسائحون من غير مهمّ في الدّين والدّنيا بل لمحض التفرّج بالبلاد كالبهائم المتردّدة في الصحاري ، فلا بأس بسياحتهم ما كفّوا عن الناس شرّهم ، ولم يلبسوا على الخلق حالهم . ولم يأكلوا من الأوقاف الَّتي وقفت على الصوفيّة فإنّه حرام عليهم فهذا هو القول في أقسام السفر ونيّة المسافر وفضيلته » . أقول : وفي الفقيه روى عمرو بن أبي المقدام عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : « في حكمة آل داود عليه السّلام : أنّ على العاقل أن لا يكون ظاعنا إلا في ثلاث تزوّد